جنونٌ عاقل
نشرت في يوم |
5.09.2008 |
في الساعة |
09:31 م |
من الجنون العاقل أن تشتاق لوطن الغربة، فغربة الوطن أقسى وأمر !
لست أجد الكلمات المناسبة التي تعبر عن احاسيس أريد أن أضعها في مذكراتي
ولكني أجد الشعور القاسي الذي يجعل ذاتي تصرخ من الداخل فيتردد صدى ذلك الصراخ للداخل أيضاُ!! دون أن يصل لمن حولي
لا أعرف سبباً واضحاً حتى نشعر نحن المغتربون بالغربة حتى ونحن في أحضان الوطن والأهل.. في المكان المفترض لنا أن نكون فيه
لمَ أشتاق العودة لتلك الديار البائسة وأنا أعلم أن الراحة هي هنا؟!!
---------------------
في روايتي المفضلة - الخريف يأتي باكراً - قرأتُ يوماً..
بأن الغربة لعبةٌ تحمل طعم الحلاوة والمرارة.. إلا أنها أقرب للثانية !
وبأن المغترب يعيد اكتشاف مدينته من جديد كلما عاد إليها .. فتراه ينظر للشوارع ويتلفت يميناً وشمالاً .. ويصغي السمع للأفراد حتى يشبع حنينه وشوقه للهجة المحلية والكثير مما اعتدنا أن نقوم به في كل عودة !
هذا هو ما قرأت عن الغربة.. ولكن ما عشته وأراه.. بأن الغربة تصنع لك عالماً خاصاً..
تجعلك بعيداً كل البعد عن هؤلاء اللذين تكن لهم أعمق مشاعر الحب والاحترام في ذاتك.. حتى وإن عدت وأنت محملاً بالأشواق لهم.. واستقبلوك هم بالمحبة
إلا أنك تبقى في عالمٍ مختلف.. حين تعود فتجلس تستمع الحديث بينهم.. ترى نفسك تائهاًَ - عمَ يتكلمون ؟ ومن يقصدون؟ - ولا ترى في نفسك الشجاعة للدخول في ضمار النقاش حول موضوع لا علم لك به.. لأنك هنا لأيام معدودة وستغادر من جديد !
وهنا أتذكر كلاماً لعزيزتي - روكي- حين كانت تصف هذه المشاعر لي يوماً.. فقالت لي بكل بساطة.. ستعودين يوماً لبيتكم وستضطرين للسؤال حتى عن مكان الملح والملاعق في المطبخ! وكأنك مغتربةٌ تبحثين عن الأشياء حتى وأنتِ في منزلكِ !!
هكذا اجواء... تجعل مشاعرك من ورق !.. بل تجعل نفسك تحت ضغطٍ نفسي وأعصابٍ مشدودة.. فتبحث يمنةً وشمالاً علك تجد السبيل للهروب..
لانك تُحمل نفسك وأنت في بلاد الغربة بالكثير من القضايا والقصص التي تنوي أن تحكيها عند عودتك.. وما أن تصل .. حتى تتبدد كل تلك الأفكار والحكايا.. فأنت تجد أن لا داعي للخوض في الحديث في هكذا قضايا.. فاهتمام من حولك مختلفٌ تماماً عن اهتماماتك.. وقد تحس في داخلك أنك لو شرعت في الكلام في أحد تلك القضايا سوف تكون أضحوكة!
هم لا يدركون بأن عالمك في الخارج مختلف! وبأنك تحتاجُ أذناً صاغية لذاتك التي عانت الصمت طوال الفترة التي قضيتها بعيداً في عالم الغربة.. لذا أصبح عليك أنت الفرد .. الواجب في أن تقحم نفسك في عالم الجماعة..
لابد لنا كمغتربون من إعادة ترتيب ملفات الحياة بين الفينة والأخرى..
ولابد من صياغةٍ جديدة لواقعنا بين فترة وأخرى..
قد تكون ظروف الدراسة والغربة قاسية.. إلا أننا مجبرون على أن نصنع الحلول لذاتنا .. ولن يكون ذلك إلا عندما نجلس مع انفسنا فنراقب ذاتنا على خريطة الهدف.. إلى أين وصلنا
وما السلب في انفسنا وفي تعاملنا مع الآخرين؟! حتى نجتنبه
وما الإيجاب؟ حتى نحافظ عليه ونكافئ انفسنا أن وصلنا لهذه الايجابية
عملية تربية الذات دينياًَ واجتماعيا ونفسيا وإلى آخره من الأمور .. عمليةٌ معقدةُ جداً.. ولكن لا يمكن الهروب من ذلك..
مضطرون نحنُ للوقوف لنعيد ترتيب الحسابات...
كان بوحاً من الجنون
التاسعة مساءاً
5-9-2008
التعليقات 6 |
:: |
:: |
:: |